ابن أبي الحديد
357
شرح نهج البلاغة
من نفسه ، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره ، فهو على الناس طاعن ، ولنفسه مداهن . اللغو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء ، يحكم على غيره لنفسه ، ولا يحكم عليها لغيره ، يرشد نفسه ويغوي غيره ( 1 ) ، فهو يطاع ويعصى ، ويستوفى ولا يوفى ، ويخشى الخلق في غير ربه ، ولا يخشى ربه في خلقه . * * * قال الرضى رحمه الله تعالى : ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة ، وحكمة بالغة ، وبصيرة لمبصر ، وعبرة لناظر مفكر . * * * الشرح : كثير من الناس يرجون الآخرة بغير عمل ، ويقولون : رحمه الله واسعه ، ومنهم من يظن أن التلفظ بكلمتي الشهادة كاف في دخول الجنة ، ومنهم من يسوف نفسه بالتوبة ، ويرجئ الأوقات من اليوم إلى غد ، وقد يخترم على غرة فيفوته ما كان أمله ، وأكثر هذا الفصل للنهي عن أن يقول الانسان واعظا لغيره ما لم يعلم هو من نفسه ، كقوله تعالى : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) ( 2 ) . فأول كلمة قالها ( عليه السلام ) في هذا المعنى من هذا الفصل قوله : " يقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين " .
--> ( 1 ) د : " يرشد غيره ويغوي نفسه " . ( 2 ) سورة البقرة 44 .